في قلب دارفور، تموت الفاشر كل يوم ألف مرة، جوعًا وقصفًا وصمتًا.
مدينة محاصرة منذ ما يزيد على ستمائة يوم، لا طعام، لا دواء، لا ماء، ولا إنسانية.
تقطعت عنها خطوط الإمداد، أغلقت أسواقها، نُهبت مواردها، وتحولت أحياؤها إلى مقابر مفتوحة تحت القصف والمرض والجوع.
لم يعد في الفاشر طعام للناس إلا علف الحيوان – الأمباز، يخلطونه بالماء ليبقوا على قيد الحياة.
مشهدٌ يوجع القلب: الإنسان والحيوان يقتاتان من نفس الطعام.
بحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا)، توفي عشرات الأطفال دون الخامسة وكبار السن خلال الأسابيع الأخيرة بسبب الجوع وسوء التغذية.
أما اليونيسف فتؤكد أن أكثر من 260 ألف مدني – نصفهم أطفال – محاصرون داخل المدينة بلا غذاء ولا دواء منذ إبريل 2024.
أُغلقت المستشفيات، وتحوّلت المساجد إلى أهداف للقصف.
قبل أيام فقط، قُتل عشرات المصلين في مسجد الدرجة أثناء صلاة الفجر.
حتى بيت الله لم يسلم من جنون السلاح.
أليست هذه جريمة حرب مكتملة الأركان؟
أليس الحصار والتجويع عملاً من أعمال الإبادة الجماعية؟
ماذا يعني أن تسقط الفاشر؟
هل سقوطها سيجعل دارفور “ملكاً” لأحد؟
هل السيطرة على مدينة جائعة انتصار؟ أم سقوط أخلاقي أبدي؟
يا قوات الدعم السريع،
أين ذهبت شعاراتكم عن “الوحدة الوطنية” و”المشروع القومي”؟
هل صارت الفاشر عدواً؟ أم مجرد وسيلة ضغط في حرب لا يعرف أحد نهايتها؟
إن الأطفال الذين يموتون اليوم لن ينسوا غدًا من قتلهم بالجوع،
وإن النساء اللواتي يودعن أبناءهن في صمت، لن يغفرن لمن حاصر مدينتهن حتى الموت.
لقد فشل الجميع في امتحان الفاشر:
الجيش الذي يساوم، والدعم السريع الذي يحاصر، والمجتمع الدولي الذي يتفرج،
وحكومة بورتسودان التي تلهو بتفاصيل تافهة بينما شعبها يُباد.
يموت أهل الفاشر بالجوع والرصاص.
بينما يضيع الإعلام في مشاهد المشادات،
تسقط المدينة المنكوبة في صمت،
تحت القصف الذي لم يتوقف، والجوع الذي لم يرحم، والخذلان الذي لم ينقطع.
حتى مجلس الأمن أصدر قراراته بفك الحصار، فذهبت أدراج الرياح.
والنداءات الدولية لم تجد آذاناً تسمع، لأن لا أحد يخاف العواقب.
أما الآلية الرباعية الدولية – الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات –فهي مطالبة اليوم بأن تبدأ أولى خطوات “خارطة الطريق للهدنة الإنسانية”
بفك حصار الفاشر فورًا، دون قيد أو شرط.
هذا هو الاختبار الحقيقي لنوايا العالم:
هل ستبقى البيانات هي الرد على الجوع؟
أم سيُفتح الطريق إلى المدينة قبل أن تفقد آخر ما تبقى من الحياة؟
على قوات الدعم السريع أن تدرك أن كسب العداوة الأبدية لإنسان الفاشر
أسوأ من أنتصار في معركة عسكرية.
فالفاشر ليست مجرد مدينة،
إنها ضمير دارفور، ورمز كرامة الإنسان السوداني.
قال تعالى:
“وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”
(الأنفال: 25)
وقال الرسول علية الصلاة و السلام
“من شارك في قتل مؤمن ولو بشق كلمة، بُعث يوم القيامة ومكتوب على وجهه آيس من رحمة الله.”
يا قادة الحرب،
كفّوا عن امتحان صبر الناس.
الفاشر تختنق،
وأطفالها يموتون بين أيدي أمهاتهم جوعًا وخوفًا.
إنها ليست قضية سياسية، بل صرخة إنسانية في وجه ضمير العالم.
فكّوا الحصار اليوم، قبل أن تسقط إنسانيتنا جميعًا.
