منذ استقلال السودان في عام 1956، ظل هذا البلد في قلب معادلات إقليمية ودولية، لم يُترك فيها ليصوغ مساره بحرية كاملة. فموقعه الاستراتيجي وموارده الهائلة جعلاه محل تنافس القوى الكبرى والإقليمية، كلٌ يسعى لتأمين مصالحه ولو على حساب استقرار السودان ووحدته.
منذ الأيام الأولى للاستقلال، بدأت التدخلات تأخذ أشكالًا متعددة،فكلما حاول السودان رسم سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، وُوجه بضغوط لإبعاده عن هذا الخيار.
عندما اندلعت أولى الحروب الأهلية في جنوب البلاد، لم تكن معزولة عن تشابكات إقليمية ودولية غذّت الصراع وأطالت أمده،كانت هناك قوى ترى أن وحدة السودان تشكّل تهديدًا لمعادلات النفوذ، فعملت على إذكاء التباينات العرقية والدينية.
عقب توقيع اتفاقية أديس أبابا 1972، بدأ وكأن السودان يسير نحو تهدئة، لكن سرعان ما تجددت التدخلات التي دفعت نحو عودة الحرب.
ثم جاء اتفاق السلام الشامل 2005، ليضع البلاد على طريق الانفصال، وهنا برز المتربصون بوضوح أكبر: قوى إقليمية ودولية سعت لضمان أن الدولة الجديدة في الجنوب تنفصل مثقلة بالمشاكل، وأن الشمال يبقى محاصرًا بالأزمات، فلا يستقر أي طرف.
وبعد انفصال الجنوب في 2011، ازداد حجم التدخلات بشكل لافت، فقد تحولت بعض الدول المجاورة إلى ساحات خلفية لتغذية النزاعات داخل السودان، بينما وجدت قوى أخرى في الوضع الجديد فرصة لمد نفوذها عبر الاقتصاد أو الدعم العسكري غير المباشر، وفي كل ذلك، ظل الهدف واحدًا: إبقاء السودان ضعيفًا، غير قادر على استثمار موارده أو تفعيل موقعه الاستراتيجي.
إن المتربصين بالسودان لا ينحصرون في جغرافيا محددة، بعض القوى القريبة ترى في استقرار السودان تهديدًا لمصالحها في مياه النيل أو موانئ البحر الأحمر،وأخرى تنظر إلى ثرواته الزراعية والمعدنية كغنيمة يسهل التحكم فيها إذا ظل الوطن غارقًا في الصراعات. أما القوى الكبرى، فلا ترى في السودان سوى ورقة في صراع النفوذ على البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
رُغم هذا كله، فإن تاريخ السودان شاهد على قدرة شعبه على الصمود، فقد واجه الاستعمار، ورفض الهيمنة، وتمسك بحق تقرير مصيره رغم كل الضغوط.
اليوم، وسط الدمار والانقسامات، يكتشف السودانيون أن معركتهم الحقيقية ليست فقط ضد الحرب، بل ضد شبكة مصالح ممتدة، تعمل على إبقاء السودان رهينة الاضطراب.
رؤية للمستقبل وحلول ممكنة
إذا أراد السودان أن يتحرر من دوائر التربص والتدخل، فإن الطريق يبدأ من الداخل أولاً، لا قوة خارجية تستطيع إضعاف وطن متماسك من الداخل، ولا مؤامرة تنجح أمام شعب موحّد الكلمة، إن التوافق الوطني وبناء عقد اجتماعي جديد يشكلان حجر الزاوية لأي نهضة حقيقية.
إلى جانب ذلك، فإن السودان بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمحاور بعينها، الانفتاح المدروس على العمق الأفريقي، والتعاون الصادق مع العالم العربي، وبناء علاقات متكافئة مع القوى الدولية، هي ركائز تضمن استقلال القرار السوداني وتحميه من الضغوط.
كما أن استثمار الموارد الوطنية بقدرات سودانية خالصة هو الضمان الأهم لسيادة حقيقية. السودان، إذا ما وظّف أرضه الخصبة وثرواته المعدنية الهائلة ومياهه العذبة، يمكن أن يتحول من بلد يعاني الأزمات إلى قوة إقليمية مؤثرة.
المتربصون بالسودان لن يتوقفوا عن محاولاتهم، لكن وعي الشعب وتماسكه هو السلاح الأقوى. المستقبل ليس رهينًا بمؤامرات الخارج، بل بإرادة الداخل.
إذا اتفق السودانيون على أن “الوطن أولاً”، فإن السودان سيكتب فصلاً جديدًا من تاريخه، فصلًا يليق بكرامة أبنائه ومكانته في الإقليم والعالم.