حينما تضيقُ الأرض بما رحبت، وتتكالبُ المحن على الأوطان، ينهض الرجال والنساء، كباراً وصغاراً، لا بالسلاح فحسب، بل بما تبقّى من قيمٍ ومروءة وأخلاقٍ أصيلة. وهذا ما شهده السودان، وتحديدًا العاصمة الخرطوم، عندما تعالت صيحات شبابٍ وشاباتٍ لا يحملون بنادق، بل معاول ومحاريث، وقلوبًا تهتف بالإسناد المدني.
إنها ليست مبادرة لتنظيف الشوارع أو إصلاح الأرصفة المتهالكة فحسب إنها نداء داخلي، وصرخة ضمير، تنبع من وجدان شعبٍ تشرّب القيم النبيلة، شعبٍ يأبى أن تنكسر روحه تحت نير الخراب والدمار.
الإسناد المدني هو الوجه المدني للمجاهدين في ساحات العطاء، وهو قرين البذل في ميادين القتال. وإذا كان المقاتل يسطر الملاحم في الجبهات، فإن الشاب الذي يزيح الركام عن الأرصفة، أو الفتاة التي تزرع وردةً في ركام الخراب، إنما يخوضان معركة الكرامة في الداخل. كلاهما في خندق واحد، يرفعان راية الوطن، ويعيدان بناء ما تهدم من ماديات وقيم ومعانٍ.
إن ما يحدث اليوم في شوارع الخرطوم وغيرها من المدن المنكوبة، ليس عملاً عابراً، بل هو مرحلة جديدة من الوعي الجمعي، وفهمٍ عميقٍ لمعادلة النصر أن “يد الله مع الجماعة”، وأن “الإنسان كثير بإخوانه”، وأن من لا يُسندُ ظهره لشعبه، تضعف قوته وتخور عزيمته.
الإسناد المدني هو ردّ عملي على كل من راهن على انكسار هذا الشعب، وهو وثيقة جديدة تُضاف إلى سجل السودان الحافل بالبطولات، تؤكد أن شعبه وإن أصابه الجرح، لا يفقد كبرياءه ولا يتخلى عن رسالته.
لقد تجلت في هذه المبادرات مشاهد مهيبة شابات ينظفن الطرقات، وشباب يعيدون رسم ملامح الأمل على جدران مهترئة، وآباء يربتون على أكتاف المتطوعين، وأمهات يوزعن الماء والدعاء والبسمات. إنها ثورة أخلاقية لا مثيل لها ، لا تقل ضراوة عن ثورة البارود والرصاص والإقدام
وهكذا، وفي عمق العتمة، يُشعل السودانيون شمعة الأمل. وفي خضم الألم، يولد عهد جديد من التكافل والإعمار. وكلما اشتدت المحنة، كلما لاحت في الأفق بشائر النصر القريب… بلداً آمناً مطمئناً، بإذن الله تعالى.
ليس الإسناد المدني شعار مرحلي ، بل هو تجسيد حقيقي لمعنى الوطن، ومرآة صافية لوجه السودان النبيل… فهنيئًا لكل من لبّى نداء الواجب، وكان جزءًا من هذه الملحمة الإنسانية الخالدة.
