السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة. ...

زاوية خاصة. نايلة علي محمد الخليفة. من أصبح الصبح إلى طير الخلا…رحلة الذوق الذي ضل الطريق


ذات زمان ، كانت آذان السودانيين لا تصغي إلا لما يرقى بالمشاعر ، ويهذب الذوق ، ويرتقي بالخيال ، كان الغناء في السودان جزءاً من الهوية الوطنية ، ومكوناً من مكونات التربية الروحية والثقافية ، يبدأ من المهد مع ( نص الليل سيروا بينا .. للناعسات خدودو شاشو بينا )، ويتكرس في الوجدان مع ( أحبك يا حبيبي كما أنت )، ويمتد مع نبض الثورة ووجدان الوطن من (أصبح الصبح) إلى انا سوداني .

لكن الزمان انقلب ، والذوق تبدّل ، وبدأت مرحلة التلوث السمعي حين وجدت الأغاني الهابطة طريقها إلى المسامع ، لا بقوة المحتوى ، بل بقوة الصخب وسطحية الكلمات وسرعة الانتشار ، هبط الذوق حتى صار السماع لا يُميز بين ناي وردي و نيجيري ، ولا بين قصيدة الفيتوري وبين حضيض سيد الفنلة البيضاء.

في غناء الأمس ، كان اللحن يروي ، والكلمات تشبه النهر ، متدفقة عذبة ، تحفظها الأجيال لأنها تحترم عقلها ووجدانها ، من مثل (المستحيل في حبك أصبح ممكنا والحلم البعيد الليالي جابتو) ، أو أنا والنجم والمساء والنسمة الهابة من بعيد قاعدين نتسامر في هواك ونبكي ذكراك من جديد نرسل ليك أشواقنا آه
مع الطيف الشارد العنيد
ونرسم صورتك في السما
في قلبي في عيني وفي الوريد ، وكان صوت وردي يهدر في ميادين الشعب ، أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقٍ ، صوت تحرّكت به الثورات ، وتغذت عليه الوطنية، واستنهضت به الهمم.

في المقابل ، تأتي اليوم أغنيات لا تحتوي إلا على طنين الكلمات السطحية، كقول أحدهن ،طير ياطير الخلا جيب لي خبر العرب الورى وما تجي فاضي ما تجي راجع لي أنا ، وآخرى تقول ،سيد الفنلة البيضاء… أنا الليلة ما بنسا ، هنا لا نكاد نجد لحناً راسخاً ولا صورة شعرية ، ولا قيمة فنية ، ولا احتراماً حتى للغة أو العقل أو الذوق .

كان الغناء في السودان سابقاً يُربي ، لا يُفسد ، ويُهذب ، لا يُبتذل ، كانت الأناشيد الوطنية تتردد في المدارس والاحتفالات ، من قبيل ،”نحن جند الله جند الوطن إن دعا داعي الفداء لم نخن ، وياغريب يلا لبلدك ، وكذلك الأغاني التي تحمل المضامين الدينية والروحية كربي ياذا الجود ياخالق الوجود ، وطلع البدر علينا من ثنيات الوداع .. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ، أما اليوم ، فقد اختفت هذه النماذج من معظم المشهد ، وحل مكانها ما لا يُغذي وطنية ولا يُوقظ ضميراً ولا يُحرك نخوة ، بل العكس ، تُشبع هذه الأغاني غرائز سطحية ، وتُنشئ جيلاً يتهكم على كل ما هو راقٍ أو منضبط.

فأين تلك الأغاني التي كانت تُربي النفس على الإباء والكرامة ، من أغنيات تُغني للملابس الداخلية والخلاء والشمار وجيبوا لي زيتو.

هل يمكن لأمة أن تصنع وعياً وشخصية وهي تسمح بأن يصبح سيد الفنلة أيقونة ، بينما تذوب أغنيات خالدة كجدي الريل او كزيمة تعال نتمشى في الغيمة.

ليس من المبالغة القول إن بعض أنماط هذا الغناء أصبحت أداة من أدوات صرف الناس عن الطاعات ، وخصوصاً الشباب ، فالسهر لأجل حفلات صاخبة ، والرقص على كلمات لا معنى لها ، والانغماس في عالم من التفاهة الصاخبة ، أضحى واقعاً يعطل الذهن ، ويخدر الإحساس ، ويستبدل ذكر الله بذكر سيد الفنلة وهي دي مالا والشمار الفي الرأس.

ليس المقصود هنا تحريم الفن ، بل وضعه في سياقه الصحيح أن يكون جميلاً وذوقًيا وهادفاً ، فالغناء المحترم لا يتعارض مع الطاعة ، بل قد يكون وسيلة للارتقاء الروحي والنفسي ، أما الغناء الهابط ، فهو لغوٌ وهدرٌ للوقت ، ومنافٍ للحياء والفطرة السليمة.

إن إنقاذ الذوق السوداني من التلوث السمعي لا يتطلب قراراً حكومياً ، بل يحتاج إلى نهضة فنية وثقافية تقودها النخب الواعية ، والمدارس والإعلام، والمجتمع نفسه ، لنعيد الاعتبار لكلمة الشاعر والملحن والمغني ، ونحيي إرث العمالقة وردي، الكابلي، عثمان حسين، زيدان إبراهيم، والكاشف ، واحمد المصطفى ، وإبراهيم عوض ، في جوانبه الراقية ، وغيرهم ممن حملوا حقيبة الفن الحقيقية.

نعم ، يمكن أن يُغنى في العصر الحديث بلغة الشباب ، ولكن دون ابتذال ، يمكن أن يُبدع الفنان دون أن يُسفف أو يُهين الذوق العام ، ويبقى الأمل أن تعود المسامع يوماً إلى رشدها ، وتسمع من جديد ،”حبيبي كيفنّك؟ وكيف كان صباحك؟
هل الشمس لامست خدّك؟ وهل طرب المساء لضحكك؟”..فذاك الغناء… لا يُنسى، ولا يخدش الحياء ، وتلك هي القيمة التي لا تُشترى…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات